ومنح أينوز الجمهور تذكرة للسفر معه في رحلته الأولى إلى أرض ظلت تشكل بالنسبة له لغزا كبيرا.

وفتح المخرج المتمرس نافذة خاصة على الجزائر بمهرجان “كان”، بفيلم عن الأم والأب والثورة الجزائرية، فجاء العمل كأنه مزيج فريد من نوعه يجمع بين الوثائقي والروائي الطويل.

وعن أسباب رغبته في السفر إلى الجزائر لإنجاز هذا الفيلم، قال المخرج الذي ولد عام 1966 في مدينة فورتاليزا بالبرازيل، من أب وأم جزائريين: “فكرة السفر إلى الجزائر كانت دائما في قلبي، كنت على يقين بأن اللقاء الأول سيكون قويا، وقد رأيت أنه من الضروري توثيقه”.

ووفق ما ذكر أينوز لموقع “سكاي نيوز عربية”، فقد كبر على حلم السفر عن طريق الباخرة إلى الجزائر، ورغم أن المسافة بين برلين والجزائر ليست بعيدة، إلا أنه لم يتخذ القرار بزيارة الجزائر إلا بعد مرور نصف قرن من الزمن، على هجرة والدته لأرض الأجداد.

وفي عام 2019، سافر أينوز إلى الجزائر محملا بالكثير من الأسئلة، كما قال: “أردت البحث عن ملامح ثورة لم أعشها، هناك مشاعر يحركها الفضول وأخرى يحركها الحنين، لقد أردت بناء فيلم عن الذاكرة وتركت الأمر للكاميرا لتتحرك في كل الزوايا التي لا أعرفها”.

ووسط علامات الاستفهام تلك، يرى المخرج نفسه، رجلا مهووسا بحكايات الماضي، وملتزما في نفس الوقت بواقع الجزائر اليوم، حيث أوضح قائلا: “العلاقة الوحيدة التي كانت تجمعني بالجزائر هي الحرب، لم أكن أعرف شيئا عن الجزائر حتى أنني لم أشاهد صورا لها في حياتي إلا القليل جدا على الإنترنت”.

وأضاف: “عندما كنت طفلا كنت أتخيل الجزائر مدينة المباني البيضاء، مدينة بعيدة مطلة على البحر. كنت على يقين أنني سأسافر إليها يوما ما، وفي خيالي صور حي القصبة المطل على زرقة البحر الأبيض المتوسط”.

لهذا قدم أينوز فيلما عن الذاكرة، يشبه الروايات الذاتية، ليخرج في الأخيرة بعدة ملاحظات وهي تقرأ ملامح الشخصية الجزائرية التي التقى بها خلال رحلته.

وبيّن أينوز أن “الجزائري لديه روح الدعابة، وأعتقد أن الناس الذي عاشوا مرحلة صعبة في حياتهم، لديهم حس فكاهي متميز، خاصة سكان الأحياء الشعبية”.

وتابع قائلا: “الثورة كانت بالنسبة لي حالة عاطفية وهي تفسر واقع الجزائر اليوم. كنت أبحث عن تلك الثورة ووجدت الإجابة في تلك اللحظة الثورية التي دفعت بالجزائريين بعد 50 عام من الاستقلال للخروج إلى الشارع في حراك 22 فبراير 2019 ضد النظام الحاكم”

وفي رحلته عثر إينوز على بلد جميل، لكنه مجهول، هو بالنسبة للعالم ليس وجهة سياحية معروفة رغم الطبيعية الخلابة التي يتمتع بها.

وقد قدم ذلك للجمهور في شكل مشاهد بانورامية، تعكس كرم الضيافة عند العائلات الجزائرية، خاصة في منطقة القبائل.

وحول ذلك، قال المخرج: “في أعلى منطقة القبائل شعرت بأنني في بيتي، لقد تم فتحوا لي أبواب منازلهم، كنت ضيفا للجميع. يجعلونك تشعر براحة كبيرة وأنت تتجول بينهم، أتمنى أن أعود لعرض الفيلم في تلك القرية”.

السياحة في الجزائر.. مشاريع واعدة للاستفادة من “ثروة نائمة”

طيلة حياته بين البرازيل وألمانيا، تشكلت علاقة استثنائية للمخرج مع الجزائر، رافقها إحساس ظل يتحكم في قرارته في السفر، فالمخرج المقيم في ألمانيا، رفض أن يزور أي بلد إفريقي قبل أن يدخل الجزائر، وعندما غادرها شعر بالحزن الشديد، وعبّر عن ذلك قائلا: “الجزائر تحولت إلى مدينة رمادية في عيني، عندما قررت المغادرة، إنها دموع الحزن، كانت حالة عاطفية قوية لحظة الوصول إلى الجزائر، ومغادرة كل تلك الحكايات والقصص والذاكرة، جعل الوداع صعبا عليّ. لقد كانت حالة من الحزن والفقد والحنين”.

ووفق أينوز الذي صوّر العديد من الأفلام الوثائقية فإن أفضلها هي تلك التي يتم إنجازها من دون سيناريو مسبق: “الفيلم الوثائقي هو أن أقوم بالتصوير ثم اكتشاف الفيلم، العمل السينمائي بالنسبة لي هو عبارة عن فكرة يتم تركيبها على مهل، ولقد استغرقت سنتين في عملية مونتاج الفيلم”.

وهكذا غادر أينوز الجزائر، وقد أضاف لرصيده السينمائي فيلما مهما، يحرك المشاعر، وهو يتجه الآن نحو إنجاز فيلم روائي طويل بعنوان”فايربراند”، ستلعب فيه الممثلة ميشيل ويليامز دور كاثرين بار، آخر زوجات هنري الثامن، وسيتم تصوير العمل في المملكة المتحدة عام 2022.